همسة خواطر (2)

كن صادقًا مع نفسك ولا تكشف نواياك وتعامل بذكاء

كن صادقًا مع نفسك ولا تكشف نواياك وتعامل بذكاء
رحلة هادئة تشبه القلب حين يحمي نواياه، ويمشي نحو بداية جديدة بوعي وصدق مع النفس.

في لحظةٍ ما من العمر يصل الإنسان إلى حقيقته الكبرى تلك الحقيقة التي لا يتعلّمها من كتاب ولا يستعيرها من صوت أحد بل يسمعها تنبت في داخله كما تنبت الحياة في أرضٍ عطشى تبدأ الحكاية حين يكتشف أن الصدق مع النفس ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب بل بابًا يفتح على الحرية على الطمأنينة على تلك المساحة التي لا يُسمع فيها إلا صوت القلب وهو يستعيد توازنه.
بعد سنواتٍ من الضجيج يستيقظ الإنسان رجلًا كان أو امرأة  في يومٍ ما ويجد أنه أرهق نفسه بمحاولة إرضاء الآخرين أرهقها وهو يشرح ويبرر ويكشف ويُسامح ويُقاوم ويُظهر نواياه لمن لا يستحق أن يرى ظلّها ثم يدرك فجأةً أن هذا الطريق لا يقود إلا لوجعٍ جديد وأن الناس مهما أحببتهم لن يفهمواعمقك كما تفهمه أنت ولن يعرفوا أثر الكلمات عليك كما تعرفه روحك ولن يقرأوا صدقك كما يقرأه ربّك.

من هنا يبدأ الدرس الأول في الرحلة كن صادقًا مع نفسك

الصدق مع النفس ليس قسوة، وليس جلدًا للذات، وليس مواجهة موجعة كما يظن البعض بل هو نور،نورٌ يضيء العتمة الصغيرة التي تتكوّن في القلب كلما تراكم فيها التجاهل وكلما أُغلقت أبواب الحديث الداخلي وكلما كذبنا على أنفسنا لنكمل الطريق.
حين تكون صادقًا مع نفسك، يتغيّر كل شيء تتغيّر نظرتك للناس، وللأحداث، وللذكريات التي كنت تظن أنها كسرتك تتغيّرطريقتك في الحب، في العطاء، في التعامل، في الترحيب والرحيل الصادق مع نفسك لا يركض خلف أحد لا يتشبث بالمؤذي ولا يُهدر روحه في أماكن لا تستحقه الصادق مع نفسه يعرف قيمته لا ينتظر من الآخرين أن يخبروه بها.
ولكن الصدق مع النفس وحده لا يكفي إن كنت تكشف كل شيء لن القلب الصادق قلبٌ شفاف والشفافية ليست للجميع النوايا الطيبة ليست قصة تُروى لكل عابر، وليست شعورًا يُسلَّم لأي يد، وليست بابًا مفتوحًا لكل من قرر أن يطرق روحك دون إذن.

وهنا يأتي الدرس الثاني في الرحلة لا تكشف نواياك

ليس خوفًا، وليس ضعفًا، بل فطنة النوايا تمامًا كالنبض موجودة، حاضرة، حيّة، ولكن لا يراها إلا من يقترب من صدرك ليشعر بها وأغلب الناس لا يقتربون ليطمئنوا عليك، بل ليعرفوا إلى أين تتجه وكيف تفكر وما الذي يشغلك وما الذي يجرحك ويتحرك في داخلك.
تعلمت من الحياة  وتعلمنا معها أن كشف النية يفتح بابًا لا يُغلق بسهولة بابًا يتيح للآخرين قراءة خطواتك قبل أن تخطو، وتوقع ردودك قبل أن تجيب، واستخدام طيبتك بالطريقة التي تناسبهم لا التي تناسبك.
ولهذا اكتم نيتك كما يُكتم الدعاء اجعل نيتك بينك وبين الله فهو وحده الذي يعرف عمق أهدافك، وصفاء قلبك وطهارة قلبك اعمل بهدوء وتقدّم بهدوء و خطط بهدوء ودع الناس يرون النتائج لا النوايا.

ثم يأتي الدرس الثالث، الذي يكمّل الاثنين معًا تعامل بذكاء

الذكاء ليس دهاءً ولا خداعًا كما يفهمه البعض الذكاء هو أن تعرف متى تصمت ومتى تتكلم أن تدرك متى تقترب ومتى تبتعد أن تفهم من يستحق ومن يُستنزف في كل مرة يقترب منك أن تميّز بين من يريدك ومن يحتاجك ومن يستخدم وجودك لسدّ نقص في داخله.
التعامل بذكاء هو أن تضع حدودًا لا يراها أحد لكنها تقف كالجدار بينك وبين ما يؤذيك هو أن تعرف متى تمرّر، ومتى تتجاهل ومتى تنتبه أن تبتسم وأنت تدرك أن نصف ما يقال لا يخصك ونصف ما يُقصد لا يعنيك، ونصف ما يُطلب ليس من واجبك الذكي لا يتصادم ولا يشرح كثيرًا، ولا يقاتل لأجل أن يُفهم، الذكي يعرف أنه ليس مضطرًا أن يضيع عمره في محاولات لا تنتهي لإرضاء قلوبٍ لم تفهم نفسها بعد.
وفي عمق هذا الذكاء يوجد الأمل الأمل الذي يأتيك فجأة حين تكتشف أنك قادر على العيش خفيفًا، بلا ثقل العلاقات المرهق  بلا حاجة للظهور، بلا خوف من الرحيل، بلا انتظار غير مفيد تبدأ ترى جمال اللحظة، جمال نفسك، جمال رحلتك مع الله جمال الطريق الذي تبنيه خطوةً خطوة، دون ضجيج، دون استعجال الأمل ليس شيئًا نبحث عنه في الخارج، بل شيء نوقظه في الداخل حين نصبح صادقين وحين نحمي نوايانا وحين نتأمل طريقنا بعين الوعي لا بعين الخوف.

الأمل يقول لك ما زال في العمر مساحة لتنهض، لتتغير لتبدأ من جديد

ما زال في القلب قدرة على الشفاء، وقدرة على أن يحب نفسه قبل أن يمنح الحب للآخرين وما زالت الحياة واسعة بما يكفي لاحتوائك بكل ما مررت به ولأجل كل رجل وامرأة أنهكته الأيام، وأخذت منه أكثر مما أعطت اعلم أن ما تبحث عنه في الناس لن تجده إلا في نفسك وما تنتظره من الآخرين تستطيع أن تهديه لنفسك وما تظنه نهاية ليس إلا بابًا خفيًا يقود لبداية جديدة، ولو لم تره الآن.
  • انهض ولا تخجل من ضعفك فالضعف ليس عيبًا، العيب هو أن تبقى في مكانك بينما قلبك يطالبك بالتغيير. 
  • انهض وواجه نفسك تصالح معها وامنحها ما حرمتها منه طويلًا.
  •  انهض، حتى لو ببطء. 
  • انهض لأن روحك تستحق أن ترى نورًا يتجاوز كل ما انكسر فيك.
  • انهض لأنك لم تُخلق لتبقى حبيس الخذلان والذكريات والمواقف التي أرهقتك.
  • انهض لأن الله يراك، ويهديك طريقك حين يضيق بك الطريق.
وفي نهاية هذه الرحلة، الرحلة التي لا يسمعها إلا القلب  ستفهم شيئًا واحدًا أنك حين تكون صادقًا مع نفسك، وتحمي نواياك، وتتعامل بذكاء فإنك لن تخسر أحدًا، بل ستربح نفسك والربح الأكبر ليس في عدد الذين بقوا، بل في سلامك الداخلي وأنت تتأكد أنك لم تخن ذاتك مرة واحدة.
هذا السلام هو هديتك هو قوتك هو نجاتك هو الطريق الذي ستمشيه مهما تغيّر الناس، مهما صعدوا وهبطوا، مهما ابتعدوا واقتربوا فأنت لست مضطرًا أن تثبت لأحد أنك تستحق أنت فقط تحتاج أن تثبت ذلك لنفسك امضِ خفيفًا صادقًا محميّ النوايا ذكيّ التعامل ومتأكدًا أن الله يكتب لك ما هو أجمل مما تنتظر.

الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.